أحمد بن محمد مسكويه الرازي
35
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الشخصية مع الأمراء والسلاطين ، وهي تمثل نوعا من التحوّل الحاسم في حياة مؤلفها ، بمعنى أنها شطرت هذه الحياة إلى شطرين : الف ) ما قبل : ففي حياته السابقة كان يكرس مواهبه الفكرية من أجل الشهرة والتوصل إلى بلاط الأمراء ونيل المنزلة الاجتماعية المرموقة والتمتع بمباهج الحياة . ب ) ما بعد التحوّل : أو بعد الوصول إلى ما يبتغيه ، فقد أصبح الكمال الأخلاقي بحد ذاته هو هدفه الأول والأخير . إنّ نص الوصيّة يتخذ أهمية قصوى بالنسبة لنا ، وسوف يحسم تأويلنا للمعطيات الأساسية لسيرته الذاتية . فهو يجبرنا في الواقع على أن نأخذ بعين الاعتبار سيرته الذاتية الروحية ونغلّبها على ما عداها . إننا نغلّب السيرة الذاتية الروحية على السيرة الذاتية العامة التي تكتفي بسرد الوقائع الخارجيّة لحياة شخص معيّن . وعندئذ سنجد أنفسنا مدعوّين لأن نفهم كيف أن فكرة الكمال تنتقل من مرحلة الكمون إلى مرحلة الظهور والتحقق الفعلي ، أو من مرحلة التصوّر الشكلاني المحض إلى مرحلة التجسّد في روح شخص معيّن وفي سلوكه . وهذا ما يتيح لنا أن نقدم بعض عناصر الجواب على سؤال أساسي كان قد شغل الكثير من معاصريه حتّى درجة الهوس . هذا السؤال هو : إلى أي مدى يمكن لسلوك حكيم ما أن يكون ترجمة حرفية أمينة لتعاليمه النظرية ؟ بمعنى آخر : إلى أي مدى يمكنه أن يطابق بين أفعاله وأقواله ، أو كما يقال في اللغة العربيّة الكلاسيكية « العمل بالعلم » . في الحقيقة قد أصبح مسكويه يشعر بأنه « غريب » في بلده الأصلي وعقر داره ، لأنّه رفض أن يتخلّى عن كل حقوق الروح في المعرفة والفهم . وبدأ من تلك اللحظة